أحمد مصطفى المراغي

13

تفسير المراغي

ولا يخفى ما في ذلك من حرج عليهم بكثرة التكاليف مرة واحدة ، ولكن بإنزاله منجّما جاء التشريع رويدا رويدا فكان احتمالهم له أيسر ومرانهم عليه أسهل . ( 4 ) إنه عليه الصلاة والسلام إذا شاهد جبريل الفينة بعد الفينة قوى قلبه على أداء ما حمل به ، وعلى الصبر على أعباء النبوة ، وعلى احتمال أذى قومه ، وقدر على الجهاد الذي استمر عليه طوال حياته الشريفة . ( 5 ) إنه أنزل هكذا بحسب الأسئلة والوقائع ، فكان في ذلك زيادة بصر لهم في دينهم . ( 6 ) إنه لما نزل هكذا ، وتحداهم بنجومه وبما ينزل منه ، وعجزوا عن معارضته - كان عجزهم عن معارضته جملة أجدر وأحق في نظر الرأي الحصيف . ( 7 ) إن بعض أحكام الشريعة جاء في بدء التنزيل وفق حال القوم الذين أنزلت عليهم ، وبحسب العادات التي كانوا يألفونها ، فلما أضاء اللّه بصائرهم بهدى رسوله تغيرت بعض أحوالهم واستعدت أنفسهم لتشريع يزيدهم طهرا على طهر ، ويذهب عنهم رجس الجاهلية الذي كانوا فيه ، فجاء ذلك التشريع الجديد الكامل المناسب لتلك الحال الجديدة ، ولو نزل القرآن جملة لم يتسنّ شئ من هذا . ( وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ) أي وأنزلناه عليك هكذا على مهل ، وقرأناه بلسان جبريل شيئا فشيئا في ثلاث وعشرين سنة . وبعد أن أبان فساد قولهم بالدليل الواضح أعقبه بما يقوّى قلبه إزاء المشركين ، وأنه قد كتب له الفلج عليهم ، فهم محجوجون في كل آن ، وقولهم مدفوع على كل وجه فقال : ( وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ) أي ولا يأتيك هؤلاء المشركون بصفة غريبة من الصفات التي يقترحونها ، ويريدون بها القدح في نبوتك إلا دحضناها بالحق الذي يدفع قولهم ويقطع عروق أسئلتهم السخيفة ، ويكون أحسن بيانا مما يقولون .